ابن قيم الجوزية
618
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
ولعنه ، وعاداه من أجل إبائه عن السجود لأبينا ، ثم أنتم توالونه من دوني . وقد لعنته وطردته ، إذ لم يسجد لأبيكم ، وجعلته عدوا لكم ولأبيكم ، فواليتموه وتركتموني . أفليس هذا من أعظم الغبن ، وأشد الحسرة عليكم ؟ ويوم القيامة يقول تعالى « أليس عدلا مني أن أولّي كل رجل منكم ما كان يتولى في دار الدنيا ؟ » . فليعلمن أولياء الشيطان : كيف حالهم يوم القيامة : إذا ذهبوا مع أوليائهم ، وبقي أولياء الرحمن لم يذهبوا مع أحد فيتجلى لهم ويقول « ألا تذهبون حيث ذهب الناس ؟ فيقولون : فارقنا الناس أحوج ما كنا إليهم ، وإنما ننتظر ربنا الذي كنا نتولاه ونعبده . فيقول : هل بينكم وبينه علامة تعرفونه بها ؟ فيقولون : نعم ، إنه لا مثل له . فيتجلى لهم ويكشف عن ساق ، فيخرون له سجدا » . فيا قرة عيون أوليائه بتلك الموالاة ، ويا فرحهم إذا ذهب الناس مع أوليائهم ، وبقوا مع مولاهم الحق . فسيعلم المشركون به الصادون عن سبيله أنهم ما كانوا أولياءه 8 : 34 إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ . وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ . ولا تستطل هذا البسط فما أحوج القلوب إلى معرفته وتعقله ، ونزولها منه منازلها في الدنيا لتنزل في جوار ربها في الآخرة ، مع الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وحسن أولئك رفيقا . فصل إذا عرفت هذا عرفت معنى قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في الحديث الصحيح « لبيك وسعديك ، والخير في يديك ، والشر ليس إليك » وأن معناه أجل وأعظم من قول من قال : والشر لا يتقرب به إليك ، وقول من قال : والشر لا يصعد إليك ، وأن هذا الذي قالوه - وإن تضمن تنزيهه عن صعود الشر إليه والتقرب